يكشف هذا البحث عن تحول عميق في مفهوم الحياد الاقتصادي، الذي انتقل من فلسفة الامتناع الكلاسيكية القائمة على اليد الخفية إلى أداة إجرائية معاصرة تجسدها هيئات النوظمة. فالحياد لم يعد يعني وقوف الدولة متفرجة، بل أضحى نشاطا إراديا يهدف إلى تفادي هيمنة المصالح الفردية وحماية التوازنات النظامية عبر العقلانية الإجرائية والنزاهة المؤسساتية، وهو ما يفسر صعود هيئات إدارية مستقلة بالمغرب تمتلك سلطات شبه قضائية تضمن الأمن القانوني وتفصل بين مهام الدولة كفاعل ومهامها كحكم.
وقد أثبت المسار التطبيقي أن هذا الحياد الوظيفي يستمد مشروعيته من قدرة الناظم والقاضي على مواجهة تعقيدات السوق بأدوات تقنية صارمة تتجاوز جمود المساطر المدنية الكلاسيكية. ومع ذلك، يظل التحدي قائما في الموازنة بين الطابع القضائي لعملية النوظمة التي تحمي الحقوق وبين ضرورة الحفاظ على النجاعة الاقتصادية، لتفادي وقوع الهيئات أسيرة لادعاءات الخصوم أو شلل الزمن القضائي؛ مما يفرض مستقبلا الانتقال نحو نوظمة ذكية قادرة على تدبير مخاطر الاقتصاد الرقمي بمرونة ونزاهة تضمن بقاء الحرية كقيمة إنسانية في فضاء السوق.
