الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين، ومن تعبهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛ فإن هذا ملخص لمقالي الذي عنونت له ب ((اختيارات فكرية تربوية منتخبة من مبادئ، وقوانين النظرية السلوكية، وشواهدها من القرآن والسنة))، والغرض من البحث في هذا الموضوع هو إظهار بعض الجوانب المفيدة، والمبادئ الناجحة التي توصلت إليها نظريات التعلم، في مجال علوم التربية، وركزت في هذا المقال على النظرية السلوكية؛ لأنها أول نظرية أحدثت ثورة في علم النفس التربوي، وقد أجرى مؤسسوها عدة تجارب ساعين من وراء ذلك إلى استخلاص قوانين يلتجأ إليها لتسهيل عملية التعلم، واكتساب المعرفة.
وأما ربطي لتلك الاختيارات الفكرية التربوية التي انتقيتها بالنصوص الشرعية، فجاء ليشهد لها بالنجاعة والمصداقية، وليبين أن ما قرره علماء المدرسة السلوكية إنما تبنوه، وقدموه ليفسروا به فعل التعلم عند الإنسان، وليكون أحد الحلول الناجحة للرقي بمستواه التعليمي من مرحلة إلى مرحلة، ومن طور إلى طور، وهذا لا يعني أنهم قد حققوا ما سعوا إليه على وجه الكمال والتمام، وبخاصة إذا علمنا أنهم حاولوا أن يتعاملوا مع الإنسان على أنه آلة، ونحَّوا عنه تفكيره وذكاءه، وإدراكه، ونظروا إلى التعلم على أنه عبارة عن استجابة لمثير؛ لكن مع ذلك كله فإن أعمالهم وتجاربهم قد أفادت كثيرا في ميدان التربية والتعليم.
والذي يساعدنا على الاستفادة من النظرية السلوكية واستثمار نتائجها هو أن ننظر إليها مع غيرها من المدارس على أنها كل متكامل يصب في منبع واحد، ويدور في فلك واحد، ونأخذ من كل نظرية ما يلائم الوضعية التعليمية التي نحن فيها.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فإني خصصت هذا المقال لاستخراج بعض الأفكار التربوية المفيدة من النظرية السلوكية، على أن أخصص المقال الثاني للنظريات المعرفية، وجاء بحثي في هذا المقال موزعا على ثلاثة مباحثَ مُفْتتحة بمقدمة، مختومة بخاتمة، فأما المبحث الأول فقدمت فيه نبذة عن النظرية السلوكية وبينت أن ركيزتها التي تقوم عليها هي الربط بين المثير والاستجابة في التعلم، ثم تناولت بعض المفاهيم المرتبطة بها مثل التعلم، والنضج، والدافعية، والوضعية التعليمية، باعتبارها عناصر أساسية لفهم السلوك الإنساني في السياق التربوي، وفي المبحث الثاني عرضت نماذج من التجارب التي أجراها رواد هذه النظرية، فاخترت تجربة بافلوف على الكلب التي أوضحت أن تكرار الإثارة أدى إلى حدوث استجابة من قبل الكلب، وتجربة واطسون على الطفل مع الفأر التي بينت أن السلوك الإنساني قابل للتغيير والتوجيه، وتجربة سكينر على الحمامة التي أظهرت ما للتعزيز والدعم في ضبط السلوك وتوجيهه، وقد حاولت في المبحث الثالث الاستشهاد من الكتاب والسنة، لتلك القوانين والمبادئ التي ذكرتها، مع بيان وجه الاستدلال، كشفا لأهميتها في المجال التربوي، وإظهارا لانسجامها مع التصور الإسلامي للسلوك والتعلم، ثم ختمت البحث بخاتمة أوردت فيها النتائج التي توصلت إليها.
