تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن خصائص المعجمية العربية القديمة بالاعتماد على المرجع النظري والتطبيقي الذي يقدّمه علي القاسمي في كتابه «المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق». وقد انطلقتُ من فرضية أساسية مؤداها أن المعجم العربي القديم ليس مجرد عمل لغوي تراثي، بل هو نظام معرفي شامل يجمع بين الرؤية اللغوية والمنهج الحضاري في بناء المعنى. وقد استهدفت الدراسة تحليل البنية الداخلية للمعجم القديم، ورصد طبيعة المعلومات التي يقدمها، وتتبع وظيفته المعرفية والثقافية في ضوء المقولات الحديثة في علم المعجمية.
أظهرت نتائج البحث أن البنية المدخلية تُعدّ من أبرز سمات المعجم العربي القديم، إذ يقوم التنظيم على نظام الجذر بوصفه الوحدة المحورية التي تُبنى عليها المداخل. ويعبّر هذا النظام عن وعيٍ عميق بالبنية الصرفية للغة العربية وعلاقات الاشتقاق فيها، غير أنه يجعل عملية البحث أكثر تعقيدًا مقارنة بالمعاجم الحديثة. كما لاحظت الدراسة أن الترتيب الداخلي للمداخل لم يكن دائمًا منتظمًا، إذ يقدَّم أحيانًا الفعل على الاسم أو الشاهد على التعريف، مما يعكس طابعًا فكريًا أكثر منه تقنيًا في التصنيف المعجمي.
وبيّنت الدراسة أن المعاجم العربية القديمة تميّزت بغنى معلوماتها المعجمية، إذ لم تقتصر على المعاني اللغوية فحسب، بل أرفقت كل مدخل بملاحظات صوتية وصرفية ونحوية ودلالية، وأدرجت شواهد أدبية وشعرية تُثبِت المعنى وتربطه بالسياق. وقد برز من خلال تحليل نماذج متعددة أن المعجم القديم كان وثيقة لغوية وثقافية تسجل تاريخ اللغة وتطورها الدلالي، وتعكس قدرة العرب على الجمع بين الدقة العلمية والبعد الجمالي للنصوص المستشهَد بها.
كما أظهرت الدراسة أن التعريفات المعجمية في التراث العربي تنوّعت بين التعريف الاشتقاقي والوصفي والدلالي، في انسجام مع طبيعة اللغة العربية القائمة على الاشتقاق والمعنى السياقي. ومن خلال هذا التنوع يتجلى الطابع الموسوعي للمعاجم القديمة، التي لم تكن تهدف إلى شرح المفردات فحسب، بل إلى بناء تصوّر شامل للعلاقات الدلالية داخل النسق اللغوي.
وأخيرًا، خلصت الدراسة إلى أن المعجمية العربية القديمة كانت ذات وظيفة حضارية وتعليمية تتجاوز حدود التوثيق اللغوي. إذ شكّلت أداة لحفظ الفصحى وضبط استعمالها، ووسيلة لتعليم اللغة لغير الناطقين بها، كما أسهمت في ترسيخ الهوية اللغوية للأمة العربية. وبذلك، يتضح أن المعجم العربي القديم – كما أعيدت قراءته في ضوء طرح علي القاسمي – يمثل تجربة لغوية وثقافية أصيلة تستحق إعادة استثمارها في مشاريع المعجمية الحديثة.
