تناول هذا المقال ألفاظ الجرح والتعديل ومدلولاتها عند الإمام ابن المواق المراكشي (ت 642هـ)، من خلال كتابه «بغية النقاد النقلة فيما أخل به كتاب البيان وأغفله»، وذلك قصد الوقوف على جانب من منهجه في نقد الرواة وتمييز مراتبهم، والكشف عن الدلالات النقدية التي تحملها العبارات التي وظفها في تقويم الرواة والمرويات.
وقد جاء البحث في مبحثين رئيسين؛ خُصص المبحث الأول للتعريف بالإمام ابن المواق المراكشي وكتابه «بغية النقاد»، من خلال التعريف به، وبيان مكانته العلمية وصلته بعلم الحديث ونقد الرواية، ثم التعريف بالكتاب من حيث موضوعه ومنهجه وقيمته العلمية، باعتباره مصدرًا مهمًّا للكشف عن ممارسة ابن المواق النقدية.
أما المبحث الثاني فقد خُصص لدراسة ألفاظ الجرح والتعديل ومدلولاتها عند ابن المواق، وذلك باستقراء نماذج من عباراته وتصنيفها بحسب دلالاتها، ثم تحليلها في سياقاتها التطبيقية. فتم الوقوف على ألفاظ التعديل وما تفيده من مراتب في توثيق الرواة، وعلى ألفاظ التجريح وما تتضمنه من درجات متفاوتة، من الألفاظ المتعلقة بالضبط والحفظ، مثل: «سوء الحفظ» و«ليس مشهورًا بالحفظ والتثبت»، إلى الألفاظ الدالة على الضعف والجهالة، مثل: «مشهور بالضعف» و«معروف بضعف الحديث» و«الغاية من الجهالة» و «لا أعلم من وثقه»، ثم الألفاظ الأشد جرحًا، مثل: «متروك» و«متروك الحديث» و«متفق على ضعفه ونكارة حديثه»، مع بيان الفروق الدلالية والمنهجية بينها. واعتمد البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، باستقراء عبارات ابن المواق من كتابه، وتصنيفها، وتحليل مدلولاتها في ضوء سياقاتها، مع الاستفادة من اصطلاحات أئمة الجرح والتعديل في فهم مراتبها، دون الاكتفاء بمجرد شرح الألفاظ شرحًا نظريًا. وتوصل البحث إلى أن ابن المواق يتميز في ممارسته النقدية بتنوع ألفاظ الجرح والتعديل ودقة اختيارها، ومراعاة تفاوت مراتب الرواة، كما يظهر حرصه على عدم التسوية بين مراتب الضعف؛ فيميز بين ضعف الحفظ، والجهالة، والضعف المشهور، والترك، وغير ذلك من مراتب النقد. كما تكشف عباراته عن احتياط في إطلاق الأحكام النقدية، واعتماد على أقوال النقاد، وربط بين حال الراوي وحال مروياته.
وبذلك يمثل كتاب «بغية النقاد» مادة مهمة لدراسة المنهج النقدي الحديثي عند ابن المواق، وإبراز إسهامه في المدرسة الحديثية المغربية في القرن السابع الهجري.
