شهدت الساحة العلمية عند نهاية القرن الخامس ومطلع القرن السادس الهجري بزوغ علم مغربي، يعد من أعظم علماء الأمة وأشهرهم الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة الأمة الإسلامية؛ إنه الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي (ت 543ه)، المحدث والأصولي والفقيه والمتكلم، الذي جمع بين علوم شتى الفقه والتفسير والحديث والأصول وعلم الكلام، ومؤلفاته خير دليل على نبوغه وعلى أنه جمع بين الحسنيين العلوم النقلية والعقلية.
وقد تطرقت في هذا المقال إلى إسهامات ابن العربي في علم الكلام، ومنهجه العقدي الأشعري الذي رسمه، فالواقع أن أهمية هذا الرجل كبيرة في نشر وتطور المذهب الأشعري خاصة في الرقعة المغاربية، فقد أسهم بدخول أمهات مؤلفات العقيدة الأشعرية كالاقتصاد في الاعتقاد للإمام أبي حامد الغزالي، والعقيدة النظامية لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني وغيرها، وأيضا من خلال احتكاكه بعلماء العصر في المشرق وأخذ العقيدة الأشعرية من مظانها الأصلية، فألف عدة كتب أهمها: العواصم من القواصم، وقانون التأويل، وكتاب المتوسط في معرفة صحة الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد...، وكتب أخرى مخطوطة وأخرى مفقودة لم تصلنا.
تميز منهج ابن العربي في علم العقيدة بتقريره لعقيدة أهل السنة والجماعة على المنهج الأشعري، مع تقديم النقل على العقل، وتأكيده على حجية العقل في خدمة النقل، لا في معارضته، ومنهج ابن العربي منهج أغلب سادتنا من علماء الأشاعرة في إثبات الصفات ووجود الله تعالى، وتنزيه الذات العلية عن التشبيه والتمثيل، مع بعض الاختلافات البسيطة التي سنبينها في هذا المقال.
