أضحت التغيرات المناخية من أبرز القضايا العالمية التي تجاوزت أبعادها البيئية لتتحول إلى إشكالية حقوقية وتنموية معقدة، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على التمتع الفعلي بحقوق الإنسان. وتكشف الأدبيات الدولية الحديثة أن آثار الأزمة المناخية لا تتوزع بصورة متساوية بين مختلف الفئات الاجتماعية، بل تتأثر بها الفئات الهشة بدرجات متفاوتة، وفي مقدمتها النساء، خاصة بالمناطق القروية والجبلية التي تعتمد على الموارد الطبيعية في تأمين سبل العيش. ويؤدي تزايد الجفاف وندرة المياه وتدهور الأراضي الزراعية وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة إلى تقويض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للنساء، بما في ذلك الحق في العمل، والغذاء، والماء، والصحة، والتعليم، والمشاركة في صنع القرار، وهو ما يجعل التمكين الحقوقي أحد المداخل الأساسية لتعزيز القدرة على التكيف مع آثار التغير المناخي.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين التغيرات المناخية والتمكين الحقوقي للنساء من منظور قانوني وحقوقي، من خلال إبراز التحول الذي عرفه الفكر القانوني الدولي في التعامل مع التغير المناخي باعتباره قضية تمس حقوق الإنسان، وتقييم مدى استجابة الإطار الدستوري والمؤسساتي المغربي لإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات المناخية. كما تسعى الدراسة إلى الوقوف على التحديات التي ما تزال تحد من تحقيق العدالة المناخية لفائدة النساء، رغم التطور الذي عرفته السياسات العمومية المغربية في مجالات البيئة والتنمية المستدامة.
واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل النصوص الدستورية والتشريعية الوطنية، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وتقارير المنظمات الدولية، ولاسيما الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إضافة إلى الأدبيات القانونية الحديثة التي تناولت العلاقة بين المناخ وحقوق الإنسان.
وتخلص الدراسة إلى أن التغيرات المناخية لا تمثل مجرد عامل مؤثر في أوضاع النساء، وإنما أصبحت تحديًا بنيويًا يحد من ممارسة النساء لحقوقهن الأساسية ويؤثر في فرص تمكينهن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
كما تبين أن التجربة المغربية حققت تقدمًا ملحوظًا على مستوى بناء الإطار القانوني والمؤسساتي المرتبط بالمناخ، غير أن تحقيق العدالة المناخية يظل رهينا بإدماج فعلي لمقاربة النوع الاجتماعي في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية، وبضمان مشاركة النساء في حكامة المناخ وتوجيه التمويلات المناخية نحو تعزيز صمودهن وقدرتهن على التكيف.
