تهدف هذه الدراسة إلى بيان معالم التجديد الفقهي عند الإمام المحقق عبد الحي بن الصديق الغماري(ت 1415 ه)، وبسط منطلقاته المنهجية التي رام من خلالها إحياء سنة الاجتهاد المطلق، وتحرير الفروع الفقهية من قيود الجمود المذهبي والتعصب المقيت، مستنداً في ذلك إلى قوة الدليل وصريح الحجة.
تُعنى الدراسة ببيان الرحلة العلمية المتكاملة للشيخ وامتداداتها بين ربوع الزاوية الصديقية بطنجة والجامع الأزهر الشريف، لتبين كيف وظف ملكته الأصولية والحديثية العميقة في نقد متون السنة النبوية وفق القواعد المقاصدية الكلية، معتمداً على روح التيسير ورفع الحرج التي تنبني عليها أحكام الشريعة الغراء. كما تقف على مواقفه الاجتهادية الناقدة لبعض الأحكام المشددة التي غلبت على التطبيق العملي في المذهب المالكي وغيره من المذاهب.
وتتعمق الدراسة في رصد التطبيقات العملية لهذا المشروع التجديدي من خلال استقراء فتاوى الشيخ ونوازله؛ كأحكام إمامة الجمعة وشروطها، ومسائل الطهارة والتيمم، فضلاً عن مقاربته الاستدلالية المتميزة لنازلة "الدخان" وحكم الصلاة خلف متعاطيه، مما يبرز مدى ارتباط فقهه بالواقع المعيش وقدرته على معالجة إشكالاته بموضوعية وحكمة.
وتخلص الدراسة في خواتيمها إلى أن المشروع الإصلاحي والتجديدي للعلامة الغماري لم يمثل بحال من الأحوال قطيعة مع التراث أو انفلاتاً عن أصوله، بل جاء امتداداً واصلاً لمنهج المحققين الكبار من أهل الأصول والحديث، وموازنة دقيقة ومحكمة بين رصانة الاتباع لأدلة الوحي وحرية الاجتهاد المقاصدي المستوعب لمتغيرات الزمان والمكان.
