تندرج هذه الدراسة ضمن الكتابات الأنثروبولوجية التي تجعل من التجربة المعاشة مدخلًا لفهم المجتمع، ومن التفاصيل اليومية مادة لإنتاج المعرفة. غير أن خصوصية هذه الكتابة لا تكمن فقط في موضوعها، بل في موقع الباحث من موضوعه، وفي طبيعة العلاقة التي تربطه بالتجربة التي يكتب عنها. فنحن لا ننطلق هنا من موضوع يقع خارج الباحث، ولا من مسافة ميدانية تفصل بين من يلاحظ ومن تتم ملاحظته، وإنما من تجربة إنسانية تشكلت داخل علاقة صداقة ورفقة جامعية، ثم تحولت تدريجيًا إلى مادة للتأمل والقراءة الأنثروبولوجية.
تتناول الدراسة تجربة الطالب الباحث الكفيف ياسين بنزاير، انطلاقًا من مساره شبه اليومي الممتد من بوقنادل إلى الرباط، وما يكشفه هذا المسار من علاقات معقدة بين الجسد والمكان، ووسائل النقل ،والمؤسسات والآخرين. ولا تنظر الدراسة إلى الإعاقة البصرية باعتبارها وضعية فردية أو نقصًا جسديًا، وإنما باعتبارها تجربة اجتماعية تتشكل وتتغير بحسب طبيعة الفضاءات والعلاقات والممارسات التي يتحرك داخلها الشخص الكفيف.
وتستند الدراسة إلى مقاربة قريبة من التجربة المعاشة، تستفيد من أنثروبولوجيا القرب والإثنوغرافيا متعددة المواقع وأنثروبولوجيا الحواس، حيث لا ينحصر الميدان في مكان واحد، بل يتوزع بين بوقنادل، والحافلة، والترامواي، والجامعة، ثم يمتد إلى فضاءات أخرى مثل أبي رقراق. وبذلك يصبح المسار اليومي نفسه ميدانًا للبحث، وتصبح الحركة بين الأمكنة وسيلة لاكتشاف اختلاف التجارب الجسدية والحسية والاجتماعية.
وتكشف التجربة أن الإعاقة لا تُنتج داخل الجسد وحده، وإنما تتشكل أيضًا في العلاقة بين الجسد والبيئة الاجتماعية والمادية. فالحافلة قد تتحول إلى فضاء للتفاوض حول الحق في التنقل، بينما يسمح الترامواي بدرجة أكبر من الاستقلالية، وتتحول الجامعة إلى فضاء للمشاركة وإنتاج المعرفة. كما تكشف تجربة العصا البيضاء والفلوكة ومشاركة ياسين في الحياة الجامعية أن الحواس لا تعمل بمعزل عن الذاكرة والخبرة والجسد والعلاقات الاجتماعية.
وتنتقل الدراسة من صوت ياسين وتجربته الذاتية إلى صوت صديقه الباحث الذي عاش هذه التجربة إلى جانبه، وأعاد اكتشاف الإعاقة والاندماج والمدينة من خلال علاقة إنسانية ومعرفية امتدت سنة جامعية كاملة. وتخلص إلى أن الاندماج ليس مجرد إجراء مؤسساتي، وإنما ممارسة يومية تقوم على الاعتراف والمشاركة والاستقلال وبناء العلاقات.
ومن ثم، تطرح الدراسة سؤالًا يتجاوز إدماج الكفيف في عالم المبصرين إلى سؤال أعمق: كيف يستطيع العالم نفسه أن يتسع لكل أشكال الاختلاف؟
