في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام القضائي المغربي، برزت آليات تسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة بين النجاعة القضائية وحسن تدبير الزمن القضائي، يأتي ضمنها تخويل حق التصدي لمحكمة النقض. وتثير هذه الآلية نقاشًا فقهيًا وقضائيًا واسعًا، لما لها من أثر مباشر على طبيعة الوظائف التي تضطلع بها محكمة النقض. فإذا كانت هذه المحكمة قد استقرت تقليديًا كـ"محكمة قانون" بوظيفة رقابية؛ تراقب حسن تطبيق النصوص وتوحيد الاجتهادات، فإن منحها سلطة الحسم في موضوع النزاع بعد النقض، يطرح تساؤلات حول مدى انسجام ممارسة هذه السلطة مع مبدأ وحدة القضاء، وحدود تدخلها بين مراقبة القانون والفصل في الوقائع.
ورغم التجربة التي عرفها المغرب في هذا الصدد، وإلغاء المشرع لحق التصدي بعد مدة قصيرة من إقراره، إلا ان قانون المسطرة المدنية رقم 58.25قد أعاد العمل به، وبالتالي أعاد فتح النقاش من جديد بين مؤيدي هذا التوجه ومعارضيه، على ضوء ما جاء به هذا قانون رقم 58.25الذي حاول إعادة تنظيم هذا الحق ضمن ضوابط محددة، مما يجعل دراسة انعكاساته على وظائف محكمة النقض ضرورة لفهم أثره على البنية القضائية ككل، وعلى الثقة في العدالة كمؤسسة.
